صالح أحمد العلي
32
سامراء
لم تحدد المصادر المناطق الجغرافية التي كان يسيطر عليها المهددون ، ومن المعلوم أن بغداد كانت فيها مناطق عرف أهلها بميول سياسية متميزة ، ففي الكرخ وباب الطاق عرفوا بميولهم العلوية ، وفي المدينة المدوّرة والرصافة عرفوا بميولهم السنية ، والواقع أن معظم المدن الإسلامية حدثت فيها انقسامات بين أهلها ، أو عرفت بميول سياسية معيّنة ولكنها لم تصل حدّ القدرة على الانشقاق عن الدولة . حصر المأمون المحنة بفكرة « خلق القرآن » وأشار إلى أن أقوى المدافعين عنها هم من نسبوا أنفسهم إلى السّنة ، وأنه كانت لهم هيمنة فكرية على الجمهور الأعظم والسواد الأكبر ، وأنه استغلها انتهازيون لأغراض سياسية ، إلا أنه لم يوضح العلاقة بين فكرة خلق القرآن والمنتسبين إلى السنّة ، أو علاقتها بالتيارات السياسية . ومن الواضح أنه قصد بالمنتسبين المعنيين بالحديث والفقه ، غير أن المعلومات المتوافرة لا تظهر أن هؤلاء المعنيين قد أعاروا ، قبل المحنة ، فكرة خلق القرآن اهتماما كبيرا . ولم تخصص كتب الفقه والحديث مكانا واسعا لمعالجة القضايا المتعلقة بأحوال الخلافة وقضايا السياسة والإدارة ، وأشارت الكتب إلى أن الممتحنين كافة ، أقرّوا بفكرة خلق القرآن ، فيما عدا أربعة ، وبذلك تركت لهم الحرية في متابعة أبحاثهم دون مضايقة ، فالمحنة لم يقصد بها إيقاف دراسة الفقه والحديث وإعادة توجيهه ، ولا كانت محاولة لغرض الاعتزال واتخاذه عقيدة رسمية ، وإنما هي عمل سلبي محدود بفكرة خلق القرآن ، ولم يمتد إلى الأفكار الأخرى الأساسية عند المعتزلة ، ولا توجد إشارة إلى تحمس أقطاب الاعتزال للمحنة . إن المصادر تذكر انفتاح المأمون على مختلف التيارات التي لم يصل تباينها حدّ التصادم ولا يحلّها مجرّد الإقرار ، بخلق القرآن . فقد ذكر في كتبه التي أرسلها إلى إسحاق بن إبراهيم ، واليه على بغداد ، أن يحضر جماعة من الفقهاء والحكام والمحدثين ، فحضر ستة وعشرون : فقرأ إسحاق عليهم كتاب المأمون مرتين فأجابوا إجابات مبهمة ، فكتب المأمون إلى إسحاق كتابا ثانيا أن يجمع واحدا وعشرين لم يذكروا في الكتاب الأول ، فأجابوا عدا أربعة هم أحمد بن